حيدر حب الله
44
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
هذا الاحتمال قليلٌ للغاية لا يشكّل الواحد في مليون مليار ، لكنّه ما يزال قائماً ، ولهذا فهو من وجهة نظر بعض أنصار المنطق الأرسطي والفلسفة العقلية لا يفيد اليقين البرهاني القائم على استحالة البطلان والعكس ، فلو ألقيت الرصاص المصهور على الأرض مليار مرّة ، فقد تقع في المرّة الأخيرة صدفةً صورة مدينة منظّمة الأجزاء ، فلعلّنا كنّا في كوننا هذا هذه المرّةَ التي التقت فيها أجزاء العالم صدفةً والتأمت ، في حين قد حصلت هذه العمليّة مليارات المرّات في التاريخ ، وكان العالم فيها غير منتظم ، فمن يرفع هذا الاحتمال ؟ ! من هنا ، توقّف بعض الفلاسفة العقليين الإسلاميين المتأخّرين في قيمة برهان النظم رغم إقرارهم بأنّه برهان جيّد ومفيد ومقنع ، بل يعتبرون أنّ برهان النظم أفضل البراهين لعامّة الناس ، لكنّه ليس كذلك للفلاسفة والمحقّقين من العلماء ، وذلك لهذا السبب . ويستبدلون ذلك ببراهين عديدة يقارب مجموعها في كتب الكلام والفلسفة الإسلاميين أكثر من عشرة براهين أقواها - من وجهة نظرهم - برهان الصديقين ، والذي ذكرت له تسعة عشرة صورة وشكل استدلالي ، يرون أنّ من أقواها صيغ المدرسة الصدرائية . وهنا لابدّ من الإشارة إلى أنّ الفلاسفة الذين اختاروا المنهج الاستقرائي في التفكير العقلي كالسيد محمد باقر الصدر ، يعتبرون - على العكس من ذلك تماماً - أنّ برهان النظم هو الذي يفيد اليقين وأنّه تام علميّاً ، مع إقراراهم - ربما - بوجود براهين أخرى قد تكون أقوى منه . كما ولابدّ من الإشارة إلى أنّ بعض الناس قد يذهل لبعض الدراسات الفيزيائية المتأخّرة خلال القرن العشرين وما بعده ، والتي شكّكت في وجود الله تعالى ، وطرح أنصارها شيئاً قريباً من تشكيك الفلاسفة العقليين الأرسطيّين